تأثير العطر على المزآج والصحة النفسية

٣ نوفمبر ٢٠٢٥
Abdullah
تأثير العطر على المزآج والصحة النفسية

رحلة العطر : كيف تلامس الروائح ارواحنا وتغير مزاجنا


منذ فجر التاريخ، لم تكن العطور مجرد مزيج من الزيوت العطرية تضاف للجسد أو المكان، بل كانت ولا تزال لغة خفية تتحدث إلى أعماقنا، تثير الذكريات، وتغير المزاج، وحتى تؤثر على صحتنا النفسية والعقلية. هل تساءلت يومًا لماذا يمكن لرائحة معينة أن تنقلك إلى زمن بعيد، أو تجعلك تشعر بالراحة الفورية؟ السر يكمن في قوة الروائح وتأثيرها المباشر على دماغنا البشري

كيف تعمل الروائح وتؤثر على الدماغ ؟

عندما نستنشق رائحة ما، لا تمر هذه الرائحة عبر الرئتين فحسب، بل تصل جزيئات العطر المتطايرة مباشرة إلى المستقبلات الشمية في الأنف، والتي ترسل إشارات كهربائية عبر العصب الشمي إلى الدماغ. هنا يكمن المفتاح: العصب الشمي هو العصب الحسي الوحيد الذي يرتبط مباشرة بالجهاز الحوفي (Limbic System)، وهو جزء من الدماغ يُعتبر "مركز العواطف والذاكرة"


يتكون الجهاز الحوفي من عدة هياكل، أبرزها:

• اللوزة الدماغية (Amygdala): المسؤولة عن معالجة المشاعر القوية مثل الخوف، الغضب، والسعادة، وتشكيل الذاكرة العاطفية.

• الحصين (Hippocampus): يلعب دورًا حاسمًا في تكوين الذكريات الجديدة واسترجاع الذكريات البعيدة.

• الوطاء (Hypothalamus): ينظم وظائف حيوية مثل المزاج، الجوع، العطش، ودورات النوم والاستيقاظ.

هذا الارتباط المباشر يفسر لماذا يمكن لرائحة خبز الجدة أن تعيد إليك ذكريات الطفولة الدافئة والمشاعر المرتبطة بها بقوة، أو رائحة عطر معين تذكرك بشخص عزيز وتثير سلسلة من المشاعر المرتبطة به. لا تمر الإشارات الشمية عبر المهاد (Thalamus) أولاً - وهو محطة التتابع لبقية الحواس - مما يعني أن الروائح لها وصول مباشر وغير مفلتر إلى مراكزنا العاطفية والذاكرية، مما يجعل تأثيرها سريعًا وعميقًا


العطور كأداة للعلاج النفسي (Aromatherapy) وتعديل المزاج:

لم يعد مفهوم استخدام الروائح لتحسين الحالة النفسية مقتصرًا على المعتقدات الشعبية، بل أصبح علمًا قائمًا بذاته يُعرف بالعلاج بالروائح (Aromatherapy). يعتمد هذا العلاج على استخدام الزيوت العطرية النقية المستخلصة من النباتات، حيث لكل زيت تركيبته الكيميائية الفريدة وخصائصه العلاجية التي تؤثر على كيمياء الدماغ والمزاج


1. لتهدئة الأعصاب وتخفيف التوتر والقلق:

• اللافندر (Lavender): يعتبر ملك الزيوت المهدئة. يحتوي على مركبات مثل اللينالول (Linalool) وأسيتات الليناليل (Linalyl Acetate) التي تعمل على الجهاز العصبي المركزي، مما يقلل من القلق ويحسن جودة النوم. أظهرت دراسات أن استنشاق اللافندر يمكن أن يخفض معدل ضربات القلب وضغط الدم.

• خشب الصندل (Sandalwood): رائحته الخشبية الدافئة تساعد على التأمل والاسترخاء العميق. يحتوي على مركبات مثل الألفا-سانتالول (Alpha-santalol) التي يُعتقد أنها تزيد من موجات ألفا في الدماغ، المرتبطة بحالة الاسترخاء اليقظ.

• البابونج الروماني (Roman Chamomile): يشتهر بخصائصه المهدئة، ويستخدم على نطاق واسع للمساعدة في النوم وتخفيف الأرق والقلق، بفضل مركبات مثل الإسترات التي تعمل كمضادات طبيعية للقلق


2. لزيادة الطاقة والتركيز وتحسين اليقظة:

• الحمضيات (Citrus Scents - الليمون، البرتقال، الجريب فروت): غنية بمركب الليمونين (Limonene) الذي يُعتقد أنه يحفز الجهاز العصبي الودي، مما يؤدي إلى زيادة اليقظة وتحسين المزاج وتخفيف التوتر. رائحة الليمون تحديدًا أظهرت في دراسات قدرتها على تحسين التركيز وتقليل الأخطاء.

• النعناع (Peppermint): معروف بخصائصه المنشطة. يحتوي على المنثول (Menthol) الذي يمكن أن يحفز الجهاز التنفسي ويزيد من تدفق الدم إلى الدماغ، مما يعزز التركيز ويقلل من الإرهاق العقلي

• إكليل الجبل (Rosemary): أظهرت الأبحاث أن استنشاق زيت إكليل الجبل يمكن أن يحسن أداء الذاكرة والتركيز ويقلل من مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر)


3. لتحسين المزاج ومحاربة الاكتئاب الخفيف:

• الورد (Rose): غالبًا ما يُعتبر "زيت القلب"، ويُستخدم لرفع الروح المعنوية وتخفيف مشاعر الحزن. يُعتقد أنه يؤثر على إفراز الدوبامين والسيروتونين، وهما ناقلان عصبيان مرتبطان بالسعادة والمزاج

• الياسمين (Jasmine): رائحته الغنية والزهرية تُعرف بقدرتها على رفع المزاج ومحاربة اللامبالاة، ويعتقد أنها تمتلك خصائص منشطة ومضادة للاكتئاب.

• البرغموت (Bergamot): من الحمضيات الفريدة التي تجمع بين خصائص الرفع المعنوي والتهدئة. يستخدم لتقليل القلق والتوتر، وفي نفس الوقت تحسين المزاج. يُعتقد أنه يساعد في تنظيم مستويات السيروتونين والدوبامين



تأثيرات إضافية للعطور على السلوك

إلى جانب التأثيرات المباشرة على المزاج، يمكن للعطور أن تؤثر على سلوكنا وتفاعلاتنا الاجتماعية:

• زيادة الثقة بالنفس: اختيار عطر يعكس شخصيتنا ويمنحنا شعورًا بالرضا يمكن أن يعزز ثقتنا بأنفسنا ويؤثر إيجابًا على تفاعلاتنا مع الآخرين.

• تحسين الأداء المعرفي: بعض الروائح، كما ذكرنا، يمكن أن تزيد من التركيز واليقظة، مما يساعد في المهام التي تتطلب تفكيرًا واضحًا.

• خلق بيئة إيجابية: استخدام الروائح العطرية في المنزل أو مكان العمل يمكن أن يحول الأجواء، مما يجعلها أكثر راحة وإنتاجية.


خاتمة: قوة العطر في حياتنا اليومية

في عالمنا المليء بالضغوط، تقدم لنا العطور ملاذًا حسيًا، وطريقة بسيطة وفعالة للتأثير على حالتنا النفسية. سواء كنت تبحث عن الهدوء بعد يوم طويل، أو دفعة من الطاقة لبدء يوم جديد، أو مجرد لمسة من البهجة، فإن العطر المناسب لديه القدرة على أن يكون رفيقك الصامت في هذه الرحلة. لذا، في المرة القادمة التي تختار فيها عطرًا، تذكر أنك لا تختار مجرد رائحة، بل تختار تجربة حسية قد تغير يومك، وتلامس روحك، وتساهم في صحتك النفسية بطرق لم تتوقعها.